عبد الملك الجويني
168
الشامل في أصول الدين
كتاب التوحيد القول في حقيقة الواحد ومعناه اختلفت عبارات أئمتنا - رضي اللّه عنهم - في حقيقة الواحد ومعناه . فالذي صار إليه الأكثرون : أن الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه . وقال آخرون : الواحد هو الذي لا يصح فيه تقدير رفع وإبقاء ، وهذه العبارة تداني الأولى في المعنى ، وإن خالفتها في الصيغة . فإن الذي يتوهم رفع شيء منه ، مع إبقاء شيء ، هو المنقسم المتعدد . وعبّر بعض الأصحاب فقال : الواحد هو الذي لا يقال فيه شيء ، وشيء على غير معنى التكرار ، وهذا قريب مما سبق أيضا . والذي اختاره القاضي أن قال : الواحد هو الشيء ، وحاول قدحا فيما تقدم من العبارات ، فقال : من قال حقيقة الواحد الشيء الذي لا ينقسم ، فقد ركب الحد من وصفين . وشيخنا يأبى تركب الحد ، كما يأبى تركب العلل . فإذا قال قائل : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم ، فقد ذكر في حده الشيء ، ثم تعرض بعده لانتفاء الانقسام ، وهذا تعرض لمعنيين : أحدهما : نفي ، والثاني إثبات . ولا يسوغ الاكتفاء بانتفاء الانقسام من غير تعرض لإثبات الشيء ، إذ لو اكتفى فكيف بالنفي المحض ؟ ! بطل عليه حده بالعدم . وبمثل هذه الطريقة اعترض على سائر العبارات ، ثم ارتضى لنفسه في حقيقة الواحد أنه الشيء ، ووجه على نفسه سؤالين ، وانفصل عنهما . أحدهما : أنه قال : للقائل أن يقول : الحد الذي ارتضيته ليس مما تنبئ اللغة عنه ، وتدل عليه ؛ والواحد لفظ عربية فإذا رمنا كشف معناها ، وجب تقريب الكشف من قضية اللغة ، وموجب اللسان ، ثم انفصل عن ذلك ، وقال : ليس غرضنا بما نطلقه من الحدود والحقائق في الديانات تهذيب اللغات ، ولا البحث عن معانيها ؛ إذ لو كان الغرض من الحدود ذلك ، لكان [ أهل ] اللغة والأئمة المشتغلون بحفظها أولى أن يسائلوا عن الحدود منا . فوضح أن غرضنا : إيضاح المعاني